الشيخ الطبرسي

81

تفسير مجمع البيان

وما هو كائن ، وبذكر من قبلي : ما قد كان . وقيل : إن معناه في القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة ، بما لهم من الثواب على الطاعة ، والعقاب على المعصية ، وذكر ما أنزل الله من الكتب قبلي ، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أمر باتخاذ إله سواه . فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود سواه من حيث الأمر به . وقال الزجاج : قل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أتى أمته بأن لهم إلها غير الله ، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله ؟ ويدل على صحة هذا قوله فيما بعد : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) . فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم سبحانه على جهلهم بمواضع الحق فقال : ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) عن التأمل والتفكر . واختص الأكثر منهم لأن فيهم من آمن ( وما أرسلنا من قبلك ) يا محمد ( من رسول ) أي : رسولا . ومن : مزيدة ( إلا نوحي إليه ) نحن ، أو يوحى إليه أي : يوحي الله إليه ب‍ ( أنه لا إله ) أي : لا معبود على الحقيقة ( إلا أنا فاعبدون ) أي : فوجهوا العبادة إلي دون غيري ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) يعني من الملائكة ( سبحانه ) نزه نفسه عن ذلك ، لأن اتخاذ الولد لا يخلو إما أن يكون على سبيل التوالد ، أو على سبيل التبني ، وكلاهما لا يجوز عليه ، لأن الأول يقتضي أن يكون من قبيل الأجسام ، والثاني وهو التبني يكون بأن يقيم غير ولده مقام ولده . وإذا كان حقيقة الولد مستحيلا منه ، فالمشبه به كذلك ، وليس ذلك كالخلة لأنه من الإختصاص ، وحقيقته جائزة عليه . ( بل عباد مكرمون ) أي : ليسوا أولاد الله كما يزعمون ، بل هم عباد مكرمون أكرمهم الله واصطفاهم ( لا يسبقونه بالقول ) أي : لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم ، فكل أقوالهم طاعة لربهم ، وناهيك بذلك جلالة قدرهم ( وهم بأمره يعملون ) ومن كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولده ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : ما قدموا من أعمالهم ، وما أخروا منها . يعني ما عملوا ، وما هم عاملون ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) الله دينه . وقال مجاهد : إلا لمن رضي الله عنه . وقيل : إنهم أهل شهادة أن لا إله إلا الله ، عن ابن عباس . وقيل . هم المؤمنون المستحقون للثواب ، وحقيقته أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع فيه ، فيكون في معنى قوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) .